الشيخ الطبرسي

248

تفسير مجمع البيان

الخطاب . ومن اختار الياء : فللتصرف - في الكلام ، والانتقال من خطاب المواجهة إلى الخبر بلفظ الغائب ، ويؤيده قوله : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) ، ( قل للذين آمنوا يغفروا ) وقيل : إن الخطاب لليهود ، والضمير في ( ستغلبون ) للمشركين ، لأن اليهود أظهروا السرور بما كان من المشركين يوم أحد فعلى هذا لا يكون إلا بالياء ، لأن المشركين غيب . اللغة : الحشر : الجمع مع سوق ، ومنه يقال للنبي : الحاشر ، لأنه يحشر الناس على قدميه ، كأنه يقدمهم ، وهم خلفه ، لأنه آخر الأنبياء ، فيحشر الناس في زمانه وملته . وجهنم : اسم من أسماء النار . وقيل : أخذ من الجهنام وهي البئر البعيدة القعر . والمهاد : القرار ، وهي الموضع الذي يتمهد فيه أي : ينام فيه مثل الفراش . النزول : روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله قال : لما أصاب رسول الله قريشا ببدر ، وقدم المدينة ، جمع اليهود في سوق قينقاع فقال : يا معشر اليهود ! إحذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر ، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم ، وقد عرفتم أني نبي مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم ! فقالوا : يا محمد ! لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا ( 1 ) ، لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة ، إنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس . فأنزل الله هذه الآية . وروي أيضا عن عكرمة ، وسعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، ورواه أصحابنا أيضا . وقيل : نزلت في مشركي مكة : ستغلبون يوم بدر ، عن مقاتل . وقيل : بل نزلت في اليهود ، لما قتل الكفار ببدر وهزموا قالت اليهود : إنه النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ، ونجده في كتابنا بنعته وصفته ، وأنه لا ترد له راية . ثم قال بعضهم لبعض : لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة أخرى . فلما كان يوم أحد ، ونكب أصحاب رسول الله ، شكوا وقالوا : لا والله ما هو به . فغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا . وقد كان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة لم تنقض ، فنقضوا ذلك العهد قبل أجله ، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة في ستين راكبا ، فوافقوهم وأجمعوا أمرهم على رسول الله ، لتكونن كلمتنا واحدة ، ثم رجعوا إلى المدينة . فأنزل الله فيهم هذه الآية ، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس .

--> ( 1 ) جمع غمر مثلثة الغين أي : جهالا بأمر الحرب ، غير مجربين .